ابن عجيبة
451
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : والذي يظهر أن من أرجاه صلى اللّه عليه وسلم من النساء إنما كان بوحي ، ومن ضمه كذلك ؛ إذ لا يتصرف إلا بإذن من اللّه ، فإذا علم النساء أن الإرجاء والإيواء كان بوحي من اللّه ؛ رضين بذلك ، وقرت أعينهن ، وزال تغايرهن ، وأما مطلق التفويض إليه فقط ، فلا يقطع الغيرة في العادة ، فالإشارة تعود إلى حكم الإرجاء والإيواء فتأمله . و « كلهن » : تأكيد ضمير « يرضين » . وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما فِي قُلُوبِكُمْ من أمر النساء ، والميل إلى بعضهن ، أو : يعلم ما في قلوبكم من الرضا بحكم اللّه والتفويض إليه ، ففيه تهديد لمن لم يرض منهن بما دبّر اللّه ، وفوّض إلى رسوله ، وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بذات الصدور ، حَلِيماً لا يعاجل بالعقوبة ، فهو حقيق بأن يتقى ويحذر . الإشارة : إذا تحقق فناء العبد وزواله ، وتكملت ولايته ، كان مفوضا إليه في الأمور ، يفعل ما يشاء ، ويترك ما يشاء ، لم يبق عليه تحجير ، ولم يتوجه إليه عتاب ؛ لأن العبد المملوك إذا تحققت محبة سيده له ، كتب له عقد التحرير . وشاهده حديث : « إذا أحبّ اللّه عبدا لم يضره ذنب » « 1 » ، وحديث البخاري : « لعلّ اللّه اطّلع على أهل بدر فقال : اعملوا ما شئتم ، فقد غفرت لكم » « 2 » ، وسببه معلوم . وفي القوت عن زيد بن أرقم : إن اللّه عز وجل ليحب العبد ، حتى يبلغ من حبه أن يقول له : اصنع ما شئت ، فقد غفرت لك . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه : يبلغ الولي مبلغا يقال له : أصحبناك السلامة ، وأسقطنا عنك الملامة ، فاصنع ما شئت . ومصداقه من كتاب اللّه : قوله تعالى في حق سليمان عليه السّلام : هذا عَطاؤُنا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ « 3 » . وهذا وإن كان للنبي من أجل العصمة ، فلمن كان من الأولياء في مقام الإمامة قسط منه ،
--> ( 1 ) ذكره الغزالي في الإحياء ( كتاب المحبة 4 / 345 ) من حديث أنس بن مالك رضي اللّه عنه . وقال العراقي في المغني : ذكره صاحب الفردوس - الديلمي - ولم يخرجه ولده في مسنده . ه . والحديث أخرجه - مطولا - القشيري في الرسالة ( باب التوبة / 76 ) عن شيخه « ابن فورك » بسنده عن أنس . وزاد الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ( 9 / 609 ) عز والحديث لابن أبي الدنيا ، وابن النجار في تاريخه . قلت : معناه : أنه إذا أحب اللّه العبد تاب عليه قبل الموت ، فلم تضره الذنوب الماضية ، ولو كثرت ، كما لا يضر الكفر الماضي قبل الإسلام . ( 2 ) جزء من حديث ، أخرجه بطوله البخاري في ( الجهاد ، باب الجاسوس ، ح 3007 ) ومسلم في ( فضائل الصحابة ، باب من فضائل أهل بدر - رضى اللّه عنهم 4 / 1941 - 1942 ، ح 2494 ) عن سيدنا علىّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه . وسبب الحديث : أن حاطب بن أبي بلتعة ، أرسل رسالة مع امرأة إلى قريش ، يخبرهم فيه ببعض أمر رسول صلى اللّه عليه وسلم ، فلما أتى برسالة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال : « يا خاطب ! ما هذا ؟ » قال : لا تعجل علىّ يا رسول اللّه ! إني كنت امرأ ملصقا في قريش ، وكان ممن كان معك من المهاجرين ، لهم قرابات بمكة يحمون بها أهليهم ، فأحببت إذا فاتنى ذلك من النسب فيهم ، أن أتخذ فيهم يدا ، يحمون بها قرابتي ، ولم أفعل كفرا ولا ارتدادا عن ديني ، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام . فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « صدق » فقال عمر : دعني ، يا رسول اللّه أضرب عنق هذا المنافق فقال : « إنه قد شهد بدرا . . » الحديث . ( 3 ) الآية 39 من سورة « ص » .